لا تقمعوا «السوشيال ميديا»

في العام 2014، تلقى الزعيم التركى «أردوجان» ضربة قاسية جداً، حين تم نشر محادثات «مزعومة» على مواقع التواصل الاجتماعى، تفيد بأنه ونجله وبعض أركان حزبه يتورطون في قضايا فساد.

بالطبع فإن «أردوجان» نفى صحة تلك المحادثات، لكنها مع ذلك حظيت بمصداقية كبيرة في الأوساط التركية، بالنظر إلى أنها أشارت إلى وقائع مثيرة للشك، وثروات بدا واضحاً لكثيرين أنها تضخمت.

اهتزت الأرض تحت أقدام أردوجان، بسبب التداعيات الخطيرة لتلك «التسريبات» على مستقبل الحكم والحزب، ولذلك فقد أقدم على إجراء خطير وحاسم.. لقد أغلق «تويتر».

تهكماً على الإجراء الذي اتخذه «أردوجان» آنذاك، نشرت صحيفة بريطانية كاريكاتيراً يشير إلى مكالمة متخيلة بين الزعيم التركى ونظيره الكورى الشمالى «أون»، المعروف بالاستبداد والقمع، ومعاداة «الإنترنت».

وبحسب الكاريكاتير، يقول «أردوجان» لنظيره الكورى الشمالى: «حسناً، لقد أغلقت (تويتر)، ما الذي يتعين عليّ فعله بعد ذلك؟»، ويرد «أون»: «حسناً، عليك أن تُطعم عمك للكلاب».

والقصة ببساطة تشير إلى بعض ما رشح عن «تصرفات استبدادية» للرئيس الكورى الشمالى؛ ومنها أنه «أطعم عمه للكلاب، بعدما اتهمه بالتورط في محاولة انقلابية ومخالفة أوامره».

لا يوجد عدد كبير من الزعماء في العالم يغلقون مواقع التواصل الاجتماعى، ولا يوجد عدد كبير من الزعماء في العالم يطعمون أعمامهم للكلاب.. هكذا أراد رسام الكاريكاتير أن يقول.

تعد منظمات دولية معتبرة عديدة قوائم سوداء لأعداء حرية الصحافة و«الإنترنت»، وفى تلك القوائم يندر جداً أن تجد اسم دولة ديمقراطية أو متقدمة.

في الأعوام الأخيرة، كانت منظمة «مراسلون بلا حدود» تشير إلى أسماء محددة للدول المعادية لـ«الإنترنت»، لم تخرج عادة عن كوريا الشمالية، والصين، وإيران، وباكستان، وفيتنام، وكازاخستان، وروسيا البيضاء، وتركيا، وكوبا.

لقد بدأ العداء بين الصين و«السوشيال ميديا» عندما اندلعت أحداث «الإيجور» في 2009، وشنت إيران حملتها القاسية على مواقع التواصل الاجتماعى، في أعقاب التظاهرات التي هزت النظام اعتراضاً على «تزوير انتخابات 2009 الرئاسية».

أما فيتنام، فقد حجبت «فيس بوك»، بسبب تداول أخبار «مناهضة للحكومة»، وفى كوريا الشمالية يمنعنا الحظر والتعتيم المفروض على هذا البلد من معرفة تفاصيل الحراك السياسى، ومع ذلك، فإن أنباء المحاكمات وعقوبات الإعدام والقتل خارج القانون تصلنا بين حين وآخر.

سيمكننا أن نجد علاقة ارتباطية واضحة ودالة بين الدول التي تفرض قيوداً على حرية مواقع التواصل الاجتماعى وبين أوضاعها السياسية والأمنية والعدلية.

ومن ذلك يمكننا أن نستخلص أن النظم المأزومة هي الأكثر لجوءاً لفرض القيود على مواقع التواصل الاجتماعى، وأن تلك القيود تتناسب طردياً مع درجة التهديد التي تطال النظام، وأنها لا تستهدف عادة تحقيق الأمن والاستقرار، بقدر ما تستهدف التغطية على فضيحة أو خطأ أو عوار.

لكن هناك من يعتقد أن مواقع التواصل الاجتماعى يمكن أن تصدّر المخاطر، وأن تُستخدم أحيانأً من قبل الإرهابيين والمخربين و«المليشيات الإلكترونية»، وأنها قد تمثل ميداناً خصباً لاختلاق الوقائع، وفبركة الشائعات، وبث الكراهية، والتحريض على العنف، وتقويض استقرار الدول.

إن هذا الكلام صحيح.

«السوشيال ميديا» ميدان خصب للفرص والمخاطر، وهى تحفل بالممارسات المشينة كما تحفل بالممارسات الإيجابية.

الأنظمة القوية الكفء يمكنها أن ترصد تلك المواقع، وأن تحاسب المخطئين من مستخدميها وفق القوانين النافذة.

حل تلك المشكلة ليس في تقييد مواقع التواصل الاجتماعى، أو حجبها، وإنما في تعزيز «المتابعة غير الاختراقية» للمحتوى المنشور عبرها، ورصد المخاطر والتجاوزات، ثم محاسبة المخطئين، وفق القانون، وتشجيع المبادرات الطوعية للمستخدمين، لكى يتم الحد من الممارسات الضارة والخطيرة.

لا تقمعوا «السوشيال ميديا».

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة